تواصل معنا
مقالات

هيمت محمد علي: "الوقت" وعمّان

  |   2022/12/08

شربل الديسي


أنا لست ناقداً فنياً. أنا صحفي ومصوّر وثائقي. لا أعرف الكتابة عن الفن لكنني أعرف هيمت محمد علي جيدًا، وأستطيع الكتابة عنهُ.


بخطوات خفيفة يصعدُ على سطح ما بقيَّ من منزلٍ في قرية "علي سراي" في محافظة كركوك كردستان العراق. يقتربُ هيمت من منتصف السطح حاملًا معه عملاً فنياً يعتذر به إلى والده وسكان "علي سراي" عن الدمار الذي حلّ بقريتهم. 


تبتعدُ الصورة قليلاً.

ترى هيمت من نافذة واسعة في مرسمه منهمكاً بالعمل على كتب فنية مع الشاعر السوري أدونيس، صوّرتها المراسلات بينهم والقائمة حتى اليوم منذ ثلاثين عاماً.

تبتعدُ الصورة أكثر.

وتراه يجلس في غرناطة، يستلهم منها ألوان الأندلس، ويدمجها مع ألوان كركوك. 

تبتعد الصورة أكثر فأكثر.

فتستطيع قراءة رسالة صديقه الشاعر الياباني كوتارو جنازومي الأخيرة قبل رحيله، والتي جسدت روح الصداقة بينهما. تنهي قراءة الرسالة لتجد عمل هيمت على وحدة شعرية عن عشتار. 

تتضح الصورة، وتتوقف عن الابتعاد.

يثبت حجمها،

وتتمكن من رؤية امتنان هيمت للفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد، والذي يعتبره أستاذه الروحي.


هكذا أستطيع شرح بعض المشاهدات من معرض "الوقت" للفنان العراقي الكردي هيمت محمد علي، والذي أُفتتح في عمّان ويجمع ستة مشاريع فنية عمل عليها على مدى السنوات الطويلة الماضية. عرضها معاً بمشروع سابع يعكس فيه مشاعره حول الصداقة والموت والوقت والحب، وأخيراً الحنين للوطن. تُختزل كُلّها في كتاب صغير عن المعرض صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر من سبعة أجزاء، يحوي تفاصيل معمقة وبسيطة في آن واحد عن المشاريع المعروضة في المعرض، ومجموعة من رسائل الامتنان من أصدقائه.



بدأ معرض "الوقت" لهيمت يكبر شيئاً فشيئاً. أتذكره يحدثني في باريس عن معرضٍ يفكر بعرضه في عمّان لأعمال مع الشاعر أدونيس - لينتهي بفكرة معرض يشمل ستة مشاريع فنية معاً تُعرض في جاليري "نبض" وغاليري "كريم".


هذا هو هيمت، ينجذب دائماً إلى الأفكار التي تبدو مستحيلة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك.



الوقت في عمّان

تتقاطع فكرة الوقت ومدينة عمّان مع هيمت، إذ سرد لي سابقاً قصته مع عمّان وكيف سافر إليها تائهاً من اليابان بعد اندلاع حرب الخليج. لم يُترَك لهُ حينها إلا وجهتان لمغادرة طوكيو؛ اليمن والأردن. فقرر اختيار الأردن كونها الأقرب جغرافيًا إلى وطنه – إلى الوطن.


وصل هيمت إلى عمّان في أواخر عام ١٩٩٠، وأقام في شقة قرب حدائق الملك عبدالله الأول في وادي صقرة. بعد فترة قصيرة أقام معرض مع جاليري مؤسسة شومان الكائنة في شارع الثقافة في الشميساني آنذاك. هنا بداية انخراط هيمت بالوسط الفني المتواضع بعمّان، مقارنةً مع وسط بغداد الفني في الفترة ذاتها.


وبعد ستة أشهر من الوقت في عمّان، غادر الفنان الكردي إلى باريس بعد حصوله على اللجوء سياسي. حدثني بأنه شعر أن عمّان مدينة قادرة على احتضانه مجدداً. وبالفعل، عبر السنوات الثلاثين الماضية، لمس أن عمّان ليست موحشة وسريعة مثل باريس، ولا تحتاج مانيفستو للتعامل مع أهلها وزوارها. هذا ما شجعه للـ"عودة" والزيارة والعمل في عمّان. "لا أعرف ربما سأبقى لقليل من الوقت"؛ هذا جوابه الدائم عند سؤاله عن متى سيغادر عمّان. كان يبدو دائماً وكأنه يريد أن يهرب من الغابة، ويبقى هُنا.


ها هي أعماله تجتمع مجددًا. متناسقة. كل لوحة تتموقع في مساحتها وحقبتها الزمنية الخاصة والمحددة. لوحة تعود بك لهيمت الذي عاش بطوكيو، وأخرى تعود بك لبغداد حين يشكر معلمه. يُعرب في المعرض هذا عن امتنانه لعمّان الهادئة التي يحبها، ويشعر بعزلة مختلفة فيها عن تلك التي يشعر بها في باريس.





الشمس الأكثر حظاً

قبل يوم من مغادرتي باريس ضمن إجازة أخذتها في الربيع هذا العام، وصلت هاتفي رسالة من هيمت -كنت أنتظرها- يطلب فيها لقائي. وافقت طبعاً على لقائه واتجهت مسرعاً نحو المترو لأصل إلى الحي الذي يقيم فيه. دخلتُ المرسم، وحينها، شعرتُ أنني عُدت إلى عمّان. كريستالات الزجاج داخلها زهور عشوائية الانتشار، أعمال فنية مليئة بالألوان، تنعكس عليها أشعة غروب الشمس. لا يوجد على نوافذ المرسم أي ستائر فهو لا يحب الستائر. وقف أمامي بوجهه البشوش مرتديًا الأسود كعادته. تمعنت جيدًا في هذا المشهد وقلت لنفسي: بين نوافذ مرسم باريس ومرسم عمّان، أشعر احياناً بأن الشمس هي الأكثر حظاً، حين تُسقط أشعتها يومياً على أعمال هيمت. أتذكر جلستنا ليلتها في مقهى جزائري في العاصمة الفرنسية. قدم لنا الشاي الأخضر في إحدى ليالي رمضان، هذه فاقدة الروح في باريس.




قبل موعد معرض "الوقت" بأسبوع، سألني هيمت إن كنت متاحاً وقادراًعلى التعاون معه على مشروع يعتقد أنه "مستحيل وخيالي"، ألا وهو نقل لوحاته الفنية الكبيرة الأربعة ذات قياس ٣٢٠ سم x ٢٠٠ سم إلى الصحراء وتصويرها في الأفق الطويل. تساءلت كثيرًا قبل أن أجيبه؛ كيف له أن يفكر بتلك التفاصيل كلها وفي آنٍ واحد؟ الكتاب الذي يريد طباعته، اللوحات التي يريد إنهائها، الدعوات التي يريد توزيعها – من أين يستمد هذه القوة كُلّها؟ بطبيعة الحال، لم أجد إجابةً تسدّ فضولي عن مصدر طاقته، وقررت الانغماس وقبول دعوة تصوير لوحاته في الصحراء قبل يومين من المعرض.


فهمت جيدًا ماذا كان يقصد شاكر حسن حينما وصف هيمت عام ١٩٨٣ في مقال له في جريدة الجمهورية قائلاً:


"ومع أني أراه بين الحين والحين منصرفًا عن فنه إلى حياته اليومية الرتيبة فإني على يقين بأنه لن يخلد إلى الكسل أبدًا."


دائمًا أفكر؛ كلما التقطت عدستي صورة لهيمت، أجد فيها ضوءاً مختلفاً عن ذاك الذي في الصور التي التقطتها ضمن عملي الصحفي. أشعر بمسؤولية كبيرة عندما أتذكر أنني أوثق حياته، ولكن يتلاشى هذا الشعور بسرعة بمجرد التفكير بأننا نخوض هذه رحلة معاً لنستمتع بوقتنا ونعيش مغامرة مثيرة.





هيمت يحدثني عن الزهور من السماء

لا أعرف هيمت منذ وقت طويل. تقابلنا عبر أصدقاء مشتركين في عمّان مع بداية جائحة كورونا. بعدها بفترة، كنت أخطط للعمل على مشروع تصويري-وثائقي عن مزارعي الزهور في الأردن. بدأ يحدثني هيمت عن صديقه الياباني، الشاعر كوتارو جنازومي، والذي توفي قبل أن ينهي معه عملاً مشتركاً عن زهور اليابان والتي ساعدت كوتارو أثناء فترة مرضه. أكمل هيمت العمل على المشروع وحيداً برفقة القليل من القصائد التي تركها له كوتارو عن الزهور، وجسّد العمل في المعرض الذي أسماه "زهور من السماء" –  مشاعر من الحنين والوفاء والحزن لصديقه الذي سافرت روحه إلى السماء. خرجتُ أنا بعدها إلى الميدان وفشلت بإنهاء مشروعي عن الزهور لأسباب كثيرة، ولكنني استطعت الاحتفاظ بالمحادثة هذه في ذاكرتي، وغدت استرجعها في كل صورة ألتقطها في عملي.


تالياً نص آخر رسالة كتبها كوتارو جنازومي لهيمت: 


"عزيزي هيمت

أشكرك لاهتمامك بصحتي، لقد أعياني المرض وأدخلت إلى المستشفى، وبمعجزة رجعت إلى الحياة.

يجوز أن تكون طاقتي تنبع من داخل جسمي.

منذ رجوعي إلى الحياة تظهر لي الزهور أجمل وأكثر رونقًا. هاته الزهور التي طالما أحببتها أصبحت رمزًا لحياتي الراهنة".


وينهي كوتارو الرسالة قائلاً: 


"أريدك أن ترسم كما تحب، بكامل الحية، بخيالك، إنك غير مجبر بالتقيد بأشعاري أو بالزهر.

أتمنى أن نرى قريبًا هذا العالم الرائع، عالم الجمال الشعري الياباني والرسم".


يتحدث هيمت عن لقائه الأخير بكوتارو، حين زاره بالمستشفى وسلمه الشاعر أوراق بيضاء وقلمًا كان يكتب به قصائده:


"في عينيه رأيت أن ذلك اللقاء سيكون الأخير. وهو لقاء لا يزال مستمرًا بالرغم من غيابه. ذلك لأني كلما رسمت لوحة من وحي أشعاره أنظر في عينيه. لأوكد له انني امضي في طريق مشروعنا المشترك وحيدًا، بل ان يده ممسكة بيدي التي ترسم.


أعتقد أن إصراري على المضي في هذا المشروع هو تعبير عن الوفاء لروح صديقي الشاعر وإلى اليابان التي تسللت زهوها القادمة من السماء إلى رسومي".